مركز رافد
أخي الزائر برأيك ماهي أكثر المجالات التي تفتقر إلى أوقاف !




الفلم التعريفي لرافد
صناديق الأوقاف الحكومية والمجتمع التراحمي
8 نوفمبر 2016 - 8 صفر 1438 هـ( 334 زيارة ) .

 

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول الصناديق السيادية ودورها في معالجة ما يتراءى لنا من ملامح أزمة اقتصادية مرتقبة وفق رؤية بعض الاقتصاديين، كما علا صوت عديد من المعارضين لخدمات الدولة المجانية وبخاصة في الإطار التعليمي والصحي في عالمنا العربي بوجه عام، مطالبين بإنهاء ما عُرف بمجانية التعليم ومجانية العلاج، من أجل بلوغ حالة التطوير المنشودة وفق رؤيتهم، وانطلاقًا من رؤية رأسمالية بحتة، متناسين أن هناك قيمًا وواجبات فرضها الالتزام الأخلاقي، وأقرها التشريع السماوي، تفرض جانبًا من المسؤولية على كل فرد بحسب موقعه ومنصبه، «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» كما جاء في الحديث النبوي الشريف.
 
في هذا الأمر يخطر في بالي المفكر المصري الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيري -يرحمه الله-، الذي نظَّر في كتابه المهم «رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية» لموضوع المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي، وبيَّن أن الغرب الرأسمالي قائم على الصيغة التعاقدية بين كل الناس، حتى بين الأب وابنه، والأم وابنتها، وصولاً إلى أفراد الحي والمدينة والدولة والتزاماتها، فبما تُقدمه من عمل تحصل على مكافأتك المقدرة، وهي صيغة ناجحة لحل كثير من الأزمات الاقتصادية من منظور الربح والخسارة، لكنها ماحقة لكل قواعد القيم والأخلاق الإنسانية التي فطر الله عليه الخلق، ليتحول الفرد في تلك المنظومة إلى آلة فاقدة للمشاعر والإحساس والمروءة، وذلك له انعكاسه السلبي الكبير على السلوك البشري من حيث هو سلوك قيمي تتملكه نوازع الخير وفق فطرته التي فطره الله عليها.
 
في المقابل يتحدث المسيري عن سمات المجتمع التراحمي، الذي تتبدى ملامحه في ثنايا منطقتنا العربية بشكل جلي، حيث تتشكل سمات العلاقات البينية بين الناس بعضهم ببعض، وبينهم وبين الدولة من جانب آخر، من منظور تراحمي، يقوم على التكافل لا التعاقد، وهي صيغة سامية من حيث مفاهيم القيم والمروءة والنزعة الأخلاقية، لكنها تُفضي إلى نوع من التواكل السلبي الذي نراه بين أظهرنا حاليًا، ويُمثل عقبة كؤودًا في سبيل التقدم والتطوير، بسبب القيمة المجانية للتكلفة التي تقع على كاهل المؤسسات الحكومية الراعية للمجتمع، ونتيجة للتقاعس الذي تتراكم أخلاقياته في أذهان النشء، جراء حالة الاتكال على الآخر، أبًا كان أم أمًا، مجتمعًا خيريًا أو دولة راعية.
 
ذلك هو مكمن الإشكال في جانب من بنية العقل العربي اليوم، القائم على النمو وفق الصيغة الاتكالية وليس التعاقدية، وفي تصوري أن من أفضل الحلول لمعالجة ذلك والحدَّ من تأثيراته وضغطه الاقتصادي على المجتمعات والحكومات الراعية، يكون بالعودة للتأسيس لنظام صندوق الوقف المجتمعي، الذي به قامت حضارتنا العربية المسلمة قديمًا، وترتكز عليه الحضارة الغربية المعاصرة حاليًا، مع وضع معايير دقيقة وشفافة لمنافذ صرفه والاستفادة منه، وفي ذلك تفصيل كبير يمكن التطرق له لاحقًا. 

المصدر