مركز رافد
أخي الزائر برأيك ماهي أكثر المجالات التي تفتقر إلى أوقاف !




الفلم التعريفي لرافد
الوقف والمجتمع المدني: ورشة عمل بجامعة جورج تاون
1 يناير 2017 - 3 ربيع الثاني 1438 هـ( 312 زيارة ) .


م.محمد الأرناؤوط
شاركتُ في ورشة عمل عن الوقف نظّمتها جامعة جورج تاون في الدوحة مؤخرا ، وضمّت مجموعة مختارة ممن اشتغلوا ويشتغلون في الوقف منذ عقود من اليابان إلى الولايات المتحدة ومن ألمانيا إلى مصر. وبعبارة أخرى فقد ضمّت الأوراق والمناقشات الثرية خلاصة تجربة الوقف عبر القرون لدى المجتمعات المسلمة وغير المسلمة (الأوربية واليابانية والصينية الخ) وصولا إلى الفروق الكبيرة في حضوره ودوره في المجتمعات المسلمة من ماليزيا وتركيا والى مصر والسودان ، حيث يبدو حاضرا وفاعلا في بعضها وخاملا في بعضها الآخر.

كان الإجماع في الورشة على الدور الكبير للوقف في المجتمع المدني عبر العصور إلى أن تقلّص وكاد أن يختفي في القرن الأخير مع ظهور الدول القومية والحديثة والاشتراكية التي تعاملت بمواقف مختلفة مع التراث الغني للوقف. في هذا السياق كان الإجماع على أهمية الاجتهاد في تطور الوقف، وهو ما يعبّر عن حيوية المجتمع ، الذي كان يلبي حاجة المجتمع الأهلي (أو المدني بلغة اليوم) ويعزز استقلالية المجتمع عن الدولة. 

صحيح أن القرآن الكريم لم يشر إلى الوقف ولكنه أكد على القيم العامة (الخير والعدل والإحسان الخ) ، ولذلك فقد اجتهد الفقهاء من الصحابة والتابعين حول الوقف وصحته وجوازه والرجوع عنه ومصارفه الخ إلى أن استقرت أركانه وملامحه في منتصف القرن الثالث الهجري مع كتاب»أحكام الوقف» للخصّاف (توفي 261 هـ). وتمثل الاجتهاد البشري / المدني في كتاب الخصّاف نفسه حيث أجاز أنواعا جديدة من الوقف تكاد تكون كلها بطابع مدني (وقف الماء ووقف الطعام ووقف الأكفان للفقراء الخ ).

وكان مما ساعد الوقف على التوسع في خدمة حاجات المجتمع ، التي كانت تشمل الجميع مسلمين وغير مسلمين ، محدودية مهام الدولة السلطانية التي اقتصرت على جمع الضرائب لتوفير الأمن والدفاع عن البلاد وتركت المجتمع يلبي حاجاته بنفسه من خلال الوقف. وهكذا نجد أن الوقف أصبح يتولى إنشاء المدارس والإنفاق على المدرسين والطلاب وإنشاء المكتبات العامة التي خدمت العلماء والطلبة ، وإنشاء البيمارستانات التي كانت تجمع بين العلاج المجاني للمحتاجين وتدريس الطب بالمجان للطلاب الخ. ويكفي هنا أن نقرأ مقدمة ياقوت الحموي لكتابه «معجم البلدان» لنعرف أن المؤلف لم يشتر كتابا واحدا بل أنجز كتابه الموسوعي هذا بفضل نظام الاستعارة من المكتبات العامة في عصره.

ومع هذا الزخم الحضاري كان يلاحظ في المجتمع نوع من التسابق على إنشاء أنواع جديدة من الوقف تلبي حاجات المحتاجين دون العودة إلى إذن من الفقهاء كوقف الخبز ووقف الحليب ووقف اليتامى ووقف العزاب (لمساعدة العزاب على الزواج) ووقف الأرامل الخ ، وهو ما عزّز ثقافة مجتمعية جديدة لا تنتظر كل شيء من الدولة. وقد استمر هذا التنافس على إنشاء الأنواع الجديدة من الوقف خلال الدولة العثمانية حتى أصبح لدينا مئة نوع ونوع من بينها طبعا الوقف على المساجد.

ولكن مع ظهور الكيانات السياسية الجديدة في العالم الإسلامي أصبحت الدولة الحديثة أو المركزية أو الشمولية تتّسم بتوسّع مهامها التي أصبحت تشمل التعليم والصحة والأشغال والشؤون الاجتماعية ، أي المجالات التي كان يتولاها الوقف في السابق. وعلى حين أنه في هذه الحالة بقي هناك هامش معتبر للوقف إلا إن ظهور الأنظمة الشمولية في المنطقة (بمسمياتها المختلفة) كان بداية النهاية للوقف والمجتمع المدني. فقد كانت هذه الأنظمة بطبيعتها تريد أن تسيطر على كل شيء وأن يُنسب كل شيء إلى الحاكم ، ولذلك اعتبرت الوقف عدوا لها وعملت على تحجيمه وتجييره لخدمة الدولة والحاكم. وبسبب ها قلّ إقبال الأفراد على الوقف وتراجعت ثقافة أو مكانة الوقف في العقود الأخيرة لتراجع الثقة بين الأفراد والدولة.

ومن هنا يمكن فهم جملة د. مراد جيزاكتشا الذي استعرض تجربة تركيا الغنية بالوقف وقال بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي ميزت تركيا الحديثة إن «الديموقراطية أنقذت الوقف» ، وعاد الوقف ليلعب دوره الحيوي في المجتمع المدني الذي لم يعد في الإمكان السيطرة عليه من قبل الدولة ، كما دلّت على ذلك محاولة الانقلاب الفاشلة في 16 تموز الفائت.

في هذه الورشة كانت تجربة الأردن حاضرة أيضا. فقبل عدة عقود (في ثمانينات القرن الماضي) كان الأردن رائدا في تحديث الوقف وتكريس فكرة الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع المشترك الذي يلبي حاجة المجتمع (تجربة وقف المرحوم سمير شما مع جامعة اليرموك ) ، ولكن هذه التجربة انتقلت إلى دول الخليج حيث يعايش الوقف هناك ازدهارا كبيرا في العقدين الأخيرين بفضل الفصل بين أصول الوقف وزارات الأوقاف ، حيث أن أصول الوقف تدار الآن بآلية السوق لتحقيق أكبر دخل ممكن ليلبي حاجات أكثر للمجتمع ، على أن العائد في الأردن من استثمار أصول الأوقاف لا يكاد يُذكر بالمقارنة مع ما يفترض بأسعار السوق (حسب تصريح وزير أوقاف سابق لا يتجاوز العائد خمسة ملايين دينار بينما العائد المفترض يفترض أن يكون مئة مليون دينار في السنة).

ومن هذه التحولات الفارقة بين تجربة الأردن والخليج نرى كيف أن مفهوم الوقف في الأردن بقي يقتصر على المساجد بينما نجد أنه في الخليج يتنوع ليخدم كل الحاجات في المجتمع (الصحية والتعليمية والاجتماعية الخ). ومن هنا نشأ في الأردن هذا «الازدحام» في المساجد ، التي لم تعد تجد ما تحتاجه من أئمة وخطباء ، وهو ما ألجأ وزارة الأوقاف مؤخرا إلى تفعيل فكرة المسجد الجامع التي تعني تحديد عدد الجوامع التي تقام فيها صلاة الجمعة. فحسب آخر الإحصائيات وصل عدد الجوامع في الأردن إلى 6380 جامعا ، فضلا عن وجود 189 جامعا تحت الإنشاء، بينما لدينا نقص في الأئمة يصل إلى نحو 2400 إمام و 1390 مؤذنا. وبعبارة أخرى ، مع استلهام تجربة الوقف في السابق ، كان يمكن لبعض هذه المساجد أن تكون باسم أصحابها مدارس ومستوصفات ومكتبات عامة ومراكز ثقافية ومراكز أيتام ورعاية مطلقات وأرامل الخ.

في ختام ورشة العمل عن الوقف كان يمكن تلخيص ما دار فيها من نقاش تحت سقف مفتوح: تفعيل الوقف ضروري لوجود مجتمع مدني واع لنفسه وقادر على تلبية حاجات أفراده دون اللجوء إلى الدولة في كل صغيرة وكبيرة ، ومثل هذا المجتمع هو الأساس للدولة المدنية المنشودة.

المصدر