مركز رافد
ما هو أهم عامل لتطوير الأوقاف؟




التصرفات الشرعية والقانونية في وقف تميم الداري رضي الله عنه بقلم:د. تيسير رجب التميمي
21 مارس 2017 - 22 جمادى الثاني 1438 هـ( 655 زيارة ) .

 

التصرفات الشرعية والقانونية في وقف تميم الداري رضي الله عنه
 
الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي قاضي قضاة فلسطين/رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
 
 
لبيان التصرفات الجائزة على الوقف شرعاً وقانوناً لا بد من تعريف الوقف أولاً ، ثم توضيح ما هي التصرفات الجائزة عليه ، فأقول : الوقف في اللغة معناه الحبس ، ويجمع على وقوف وأوقاف ، أما معناه في الاصطلاح فقد عرفه جمهور الفقهاء بأنه حبس مالٍ منتفعٍ به على جهةٍ مباحةٍ مع بقاء عينه لقطع التصرف في رقبته ،
والتصرفات الجائزة في الوقف هي : الإجارة ، الاستبدال ، التحكير ، المزارعة والمساقاة
أولاً : إجارة الوقف
يشترط في إجارة الوقف وصحته ونفاذه ما يشترط في إجارة الملك من حيث : الصيغة والعاقدان والمعقود عليه ، ويثبت فيها من الخيارات ما يثبت في إجارة الملك .
والمتولي هو الذي يملك إجارة الوقف وقبض الأجرة ، فليس للقاضي تأجير عقار الوقف ما دام المتولي موجوداً لا يمنعه مانع ؛ لأن الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة ، كما أنه ليس للموقوف عليه تأجير عقار الوقف إلا إذا كان متولياً على الوقف أو مأذوناً بإجارته من متولٍ أو قاضٍ .
ومن حيث مدة الإجارة فإذا اشترط الواقف ألاَّ تزيد عن سنة اتبع شرطه وليس للمتولي مخالفته ، أما إذا كانت الناس لا ترغب باستئجاره هذه المدة ، أو كان تأجيره لمدة أكثر منها أنفع للوقف رفع الأمر إلى القاضي فيأذن للمتولي بذلك .
وإذا أجاز الواقف للمتولي تأجير الوقف لأكثر من المدة التي عينها في وقفيته متى كان ذلك أنفع للوقف ، فالمتولي يملك ذلك دون حاجة لرفع الأمر إلى القاضي لوجود الأذن من الواقف . وإذا لم يشترط الواقف مدة معينة لا يجوز إيجارها إلاَّ بإذن من القاضي لمدة طويلة ، لأن إيجارها مدة طويلة يؤدي إلى بطلان الوقف .
ثانياً : استبدال الوقف
استبدال عقار الوقف بعقار آخر أو بنقود لشراء عقار بها لوقفه أو تعميره جائز على وجه الاستحسان إذا توفرت شروط صحة الاستبدال ؛ لأنه لا ينافي حكم الوقف وهو اللزوم ، وسواء في ذلك استعمال الواقف لفظ الاستبدال أو البيع ، فلو قال " وقفتُ أرضي هذه على أن لي أن أستبدلها بأرض أخرى أو أبيعها وأشتري بثمنها أرضاً تكون وقفاً مكانها " أو اقتصر على قوله " وقفتُ أرضي هذه على أن لي أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضاً أخرى " ففي الحالتين يجوز الاستبدال . ووجه الاستحسان أنه لما جمع بين البيع والشراء دل على أنه يريد الاستبدال .
شروط صحة الاستبدال
يشترط لصحة الاستبدال سواء كان المستبدِل الواقفُ أو القاضي أو غيرُهما ألاَّ يكون البيع بغبن فاحش ؛ وهو ما لا يدخل تحت تقويم الخبراء ، وأن يخرج الوقف عن الانتفاع به نهائياً ، وألاَّ يوجد ريعٌ للوقف ليعمر به ، ويشترط أيضاً أن يكون المستبدِل قاضياً مشهوراً بالورع والتقوى وهو المعروف بالعلم والعمل ، وألاَّ يبيعه المتولي أو القاضي ممن لا تقبل شهادته ، ولا ممن له عليه دين ، ويشترط ألا يباع بالعروض التجارية ، وهذا هو المفتى به والمعمول به في المحاكم الشرعية ، كما يشترط ألاَّ يكون استبدال العقار الموقوف بالدراهم والدنانير حتى لا يتطرق الإبطال إلى الأوقاف إلا إذا بقيت موقوفة حتى شراء عقار آخر للوقف بها ، ولا يجوز توزيع الثمن على المستحقين ؛ لأن في هذا إبطالاً للوقف . ولا يشترط اتحاد الجنس ، فيجوز استبدال الدار بالأرض والأرض بالدار إن كان في ذلك منفعة .
إجراءات استبدال الوقف في المحاكم الشرعية
1- يرفع المتولي الأمر إلى القاضي الشرعي ؛ الذي عليه الاستعانة بالخبراء للتحقق من أسباب الاستبدال وتوفر المصلحة للوقف ، وأن المستبدل به يحقق المصلحة للمستحقين وأن قيمته لا تقل عن قيمة المستبدل .
2- بعد توفر المسوغات الشرعية يرفع الأمر إلى المحكمة العليا الشرعية ، فإذا تحققت المحكمة العليا الشرعية من ذلك فتصدر قرارها بتأييد تنسيب القاضي الشرعي بالاستبدال .
3- في المحكمة الشرعية الابتدائية المختصة يتم إلحاق حجة الاستبدال بالكتاب الذي أنشأ الوقف وتقرآن معاً على أنهما حجة واحدة ، وتودع قيمة المستبدل في صندوق المحكمة ؛ وتكون وقفاً حتى يتم شراء المستبدل به . وتسري على المستبدل به جميع الأحكام الشرعية والقانونية المتعلقة بالوقف .
ثالثاً : التحكير
الحكر أو التحكير هو عقد إجارة يقصد به استبقاء الأرض الموقوفة في يد المستأجر للبناء أو الغرس فيها ما دام يدفع أجرة المثل ، ويطلق الحكر على ذات العقار المحكَّر وعلى الأجرة التي يدفعها المحتكر . وهو عقد إجارة طويلة المدة بين الوقف وواضعي اليد عليه ،
والتحكير إما أن يكون بعقد صريح ؛ كما لو أجَّر المتولي العقار الموقوف للبناء عليه أو الغراس فيه بإذن القاضي الشرعي ، وإما أن يكون ضمنياً ؛ كما لو أجَّر الناظر أرض الوقف لمدة معينة ؛ ثم أَذِنَ للمستأجر أن يبني فيها أو يغرس فبنى أو غرس بهذا الإذن ؛ فلما انقضت المدة وأراد المستأجر بقاء الأرض في يده بأجرة مثلها بغير ضرر على الوقف ولا على المستحقين ؛ فتبقى في يده دفعاً للضرر عنه ويكون هذا تحكيراً .
وسواء أكان التحكير بعقد صريح أم بإذن ضمني ، وللضرورة كان أم للمصلحة فالأجرة فيه لا تبقى على حال واحدة ؛ بل تتغير حسب الزمان والمكان والأحوال الاقتصادية ، وإذا امتنع المحتكر عن دفع أجرة المثل يفسخ عقد التحكير ويؤمر بهدم بنائه أو قلع شجره ،
وإذا مات المحتكر حل ورثته محله ، فحق التحكير لا ينتهي بموته لأنه حق مالي عيني مورث وليس حقاً شخصياً ، فيقوم ورثته مقامه في ملكية حق البقاء والقرار ما داموا يدفعون أجرة المثل ،
ويلحق بالتحكير ويأخذ حكمه إجارة أرض الوقف من قبل المتولي مدة معينة ، وأذن المتولي في أثنائها للمستأجر بالبناء أو الغراس دون النص في الترخيص على أن يكون له حق البقاء والقرار ، ففي هذه الحالة إذا بنى المستأجر أو غرس وانتهت مدة الإجارة كان أيضاً أحق من غيره بالتحكير إليه ما دام يدفع أجرة المثل .
ويسقط حق المحتكر في البقاء في أرض الوقف في ثلاث حالات هي : إذا أبى دفع أجرة المثل للعقار ، وإذا كان ترك الأرض في يد المحتكر يضر بالوقف بصورة من الصور ، وإذا انتهت مدة التحكير .
إجراءات التحكير المتبعة في المحاكم الشرعية
1- يتحقق المتولي من توفر شروط التحكير ، ويتم تحديد مساحة الأرض المحكرة بموجب مخطط مساحة من مساح مرخص ، ثم يقوم المتولي أو من ينتدبهم من نظار الوقف بالكشف على الأرض المراد تحكيرها للتأكد من تحقق شروط صحة التحكير ، ثم بتدقيق مخطط المساحة وبتقدير أجرة المثل بالاستعانة بخبراء ثقات أمناء عدول .
2- يرفع المتولي الأمر للقاضي الشرعي لاستصدار الإذن الشرعي بالتحكير ، حيث يقوم القاضي الشرعي بالكشف على الأرض المراد تحكيرها للتحقق من شروط صحة التحكير مع خبراء ينتخبهم من الرجال الثقات الأمناء العدول من غير الذين استعان بهم المتولي ، ويدقق مساحة الأرض وحدودها ويستعين بهم للتحقق من صحة تقدير أجرة المثل ، فإذا توفرت المسوغات الشرعية يصدر القاضي الشرعي إذناً للمتولي بالتحكير .
3- يستوفي المتولي أجرة المثل ثم يسجل التحكير في دائرة المساحة والأراضي .
4- على المتولي والنظار جباية الأجرة الطويلة سنوياً عن الأرض المحكرة ، فإذا لم يدفع المحتكر الأجرة السنوية مدة ثلاث سنوات متتالية يرفع المتولي الأمر للقاضي الشرعي لفسخ عقد التحكير .
رابعاً : المزارعة والمساقاة في أرض الوقف
من صور التصرف المشروعة بالوقف المزارعة والمساقاة ، فالمزارعة هي دفع الأرض إلى من يزرعها ببعض الخارج منها ، أما المساقاة فهي دفع الشجر وما في معناه إلى من يتعهده بجزء من الثمر .
وتنطبق أحكام المزارعة والمساقاة العامة في الأراضي العادية على المزارعة والمساقاة في أرض الوقف من حيث الصحة والفساد والشروط والأحكام ، لكن يشترط فيهما هنا أن يكونا أنفع للوقف من زراعة المتولي الأرض بنفسه أو إيجارها ، وألاَّ يكون فيهما غبن فاحش على الوقف .
ولا تنفسخ المزارعة والمساقاة في أرض الوقف بموت الناظر ؛ لأنه لم يعقدها لنفسه وإنما عقدها للوقف ، ولكنهما ينفسخان بموت المزارع والمساقي .
وساتناول في الأسبوع القادم إن شاء الله التصرفات غير الجائزة شرعاً وقانوناً في الوقف عموماً وفي وقف سيدنا تميم الداري رضي الله عنه على وجه الخصوص .